العيني

173

عمدة القاري

بحسب المقام إليهما جميعا أو إلى المشار إليه فقط . قوله : ( كأنه سراب يحطم بعضها بعضا ) أي : بكسر بعضها بعضا ، ومنه سميت النار : الحطمة لأنها تحطم كل شيء أي تكسره وتأتي عليه ، والسراب هو الذي تراه نصف النهار كأنه ماء قوله : ( أتاهم ) أي : ظهر لهم ، والإتيان مجاز عن الظهور . وقيل : الإتيان عبارة عن رؤيتهم إياه ، لأن العادة أن من غاب عن غيره لا تمكنه رؤيته إلاَّ بالإتيان ، فعبر بالإيتان هنا عن الرؤية مجازا وقيل : فعل من أفعال الله تعالى سماه إتيانا وقيل المراد بالإتيان إتيان بعض ملائكته وقال عياض : هذا الوجه أشبه عندي في قوله : ( في أدنى صورة ) أي : أقربها . قال الخطابي : الصورة الصفة يقال : صورة هذا الأمر كذا أي صفته ، وأطلق الصورة على سبيل المشاكلة والمجانسة . قوله : ( من التي رأوه فيها ) ، أي : من الصورة التي عرفوه فيها ، والرؤية بمعنى العلم لأنهم لم يروه قبل ذلك ، ومعناه : يتجلى الله لهم بالصفة التي يعرفونه بها لأنه لا يشبه شيئا من مخلوقاته فيعلمون أنه ربهم فيقولون : أنت ربنا . قوله : ( على أفقر ما كنا إليهم ) ، أي : على أحوج ، يعني : لم نتبعهم في الدنيا مع الاحتياج إليهم ، ففي هذا اليوم بالطريق الأولى . قوله : ( لا نشرك بالله شيئا ) ، وفائدة قولهم هذا مع أن يوم القيامة ليس يوم التكليف استلذاذا وافتخارا به وتذكارا بسبب النعمة التي وجدوها . 9 ( ( بابٌ : * ( فَكَيْفَ إذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هاؤُلاءِ شَهِيدا ) * ( النساء : 41 ) ) أي : هذا باب فيه قوله تعالى : * ( إذا جئنا ) * الآية ، أخبر الله تعالى بهذه الآية الكريمة عن هول يوم القيامة وشدة أمره وشأنه فكيف يكون الأمر والحال يوم القيامة حين يجيء من كل أمة بشهيد يعني الأنبياء عليهم السلام ، وقال الزمخشري : فكيف يصنع هؤلاء الكفرة من اليهود وغيرهم إذا جئنا من كل أمة بشهيد يشهد عليهم بما فعلوا وهو نبيهم كقوله : * ( وكنت عليهم شهيدا ما دمت فيهم وجئنا بك على هؤلاء ) * ( المائدة : 117 ) المكذبين * ( شهيدا ) * وفي ( التلويح ) واختلف في المعنى بقوله : هؤلاء من هم ، فعند الزمخشري : هم المكذبون ، وقال مقاتل : هم كفار أمة محمد صلى الله عليه وسلم ، وفي ( تفسير ابن النقيب ) هم سائر أمته صلى الله عليه وسلم ، وإذا كان كذلك ففيه قولان : أحدهما : أنه يشهد عليهم . والثاني : أنه يشهد لهم ، فعلى هذا يكون على : بمعنى اللام ، وقيل : المراد بهم أمة الكفار ، وقيل : أنهم اليهود والنصارى ، وقيل : هم كفار قريش دون غيرهم ، وفي الذي يشهد به أقوال أربعة : الأول : أنه يشهد أن النبي صلى الله عليه وسلم قد بلغ أمته ، قاله ابن مسعود وابن جريج والسدي ومقاتل . الثاني : أنه يشهد بإيمانهم ، قاله أبو العالية . الثالث : إنه يشهد بأعمالهم . قاله مجاهد وقادة . الرابع : إنه يشهد لهم وعليهم ، قاله الزجاج . المُخْتال والخَتَالُ وَاحِدٍ أشار بهذا إلى قوله تعالى : * ( إن الله لا يحب من كان مختالاً فخورا ) * والمختال المتكبر : أي : يتخيل في صورة من هو أعظم منه كبرا . وقال الزمخشري : هو التياه والجهول الذي يتكبر عن إكرام أقاربه وأصحابه . قوله : ( وأحد ) ، يعني : في المعنى ، وفيه نظر ، لأن المختال من الخيلاء ، والختال : بتشديد التاء المثناة من فوق من الختل وهو الخديعة فلا يناسب معنى الكبر ، وهكذا وقع في رواية الأكثرين ، وفي رواية الأصيلي : المختال والخال واحد والخال واحد والخال بدون التاء وصوب هذا جماعة ، وكذا في كلام أبي عبيدة . ( فإن قلت ) : ما وجه التصويب فيه ؟ فكيف هنا بمعنى واحد ؟ قلت : الخال يأتي لمعان كثيرة : ( منها ) : معنى الكبر لأن الخال بمعنى الخائل وهو المتكبر ، وقال بعضهم : الخال يطلق على معان كثيرة نظمها بعضهم في قصيدة تبلغ نحوا من العشرين بيتا قلت : كتبت قصيدة في مؤلفي ( رونق المجالس ) تنسب إلى ثعلب تبلغ هذه اللفظة فيها نحوا من أربعين . نَطْمِسَ وُجُوها نُسَوِّيها حَتَّى تَعُودَ كَأفْعَالِهِمْ طَمَسَ الكِتابَ مَحاهُ أشار به إلى قوله تعالى : * ( من قبل أن